تشهد العلاقات بين مصر ودول الخليج توترات على خلفية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، ورد طهران بقصف محطات النفط والغاز في الدول المجاورة لها.
 

وقال موقع "ميدل إيست مونيتور" إنه عندما استخدم (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي عبارته الشهيرة "مسافة السكة" قبل سنوات، في إشارة إلى استعداد بلاده للدفاع عن الأمن القومي العربي، لم يكن يتوقع أن يواجه اختبارًا حقيقيُا ومعضلة صعبة قد تكلفه غاليًا.

 

وفقًا للموقع، فقد تصاعدت التوترات في العلاقات المصرية الخليجية، في ظل الحرب المستمرة ضد إيران والضربات الإيرانية التي تستهدف دول المنطقة من حالة من الاستياء إلى الشك والخلاف، وربما إعادة تقييم في المستقبل القريب.

 

وأضاف: "تعكس التقييمات داخل الأوساط الحاكمة في عواصم الخليج وجهات نظر سلبية تجاه موقف مصر، وسط ما يوصف بأنه "تخلي" وانعدام التضامن من جانب حليف استراتيجي تلقى عشرات المليارات من الدولارات، فضلاً عن دعم سياسي ودبلوماسي كبير، لا سيما من الرياض وأبو ظبي، لترسيخ حكمه في أعقاب الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013".

 

مسافة السكة 


"عندما يواجه الأمن القومي العربي تهديدًا حقيقيًا ويُطلب منا التدخل، سنكون حاضرين؛ مسافة السكة فقط"، كانت هذه إحدى أبرز تصريحات السيسي في مايو 2014، حين كان مرشحًا للرئاسة. وقد تكررت هذه العبارة في خطابات وتصريحات لاحقة، مما زاد من التوقعات من الحليف الاستراتيجي الذي يمسك بزمام السلطة في مصر، والذي يشغل الآن ولاية رئاسية ثالثة تمتد حتى عام 2030.

 

وعندما بدأت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير وتصاعدت بسرعة في نفس اليوم لتشمل ضربات إيرانية على قواعد أمريكية في عواصم الخليج، أشار الموقع إلى أن القاهرة بدت مضطربة وربما حذرة من الانجرار إلى الصراع، أو ربما في موقف ترقب وانتظار لتقييم اتجاهه ونتائجه.

 

وقد تجلى ذلك في الجولة المتأخرة التي قام بها السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر في 19 مارس ، تلتها زيارة إلى المملكة العربية السعودية والبحرين في 21 مارس، دون إدراج الكويت وسلطنة عمان لأسباب غير معروفة.

 

وأشار إلى أن الوضع ازداد تعقيدًا بعد خطبة عيد الفطر التي حضرها السيسي، والتي أثارت جدلًا واسعًا لاحتوائها على دعاء ذي طابع شيعي: "اللهم بحق فاطمة وأبيها وزوجها وأبنائها، وبالسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك". وقد نُظر إلى هذا الدعاء على أنه بادرة تقارب مع إيران، ذات الأغلبية الشيعية، وانتقده علنًا الضابط السعودي السابق عبد الله غانم القحطاني في تصريحات إلى "بي بي سي"، قائلًا: "كان موقف إخواننا في مصر غريبًا وغير متوقع، وبعض الخطوات كانت لافتة، مثل خطبة عيد الفطر، التي أعتقد أنها كانت غير مناسبة من حيث التوقيت والمضمون".

 

وفي تصعيدٍ إضافي للتوترات، أدلى السفير خالد عمارة، مساعد وزير الخارجية والرئيس السابق للبعثة المصرية لرعاية المصالح المصرية في طهران، بتصريحاتٍ اعتُبرت غير حكيمة. ففي مقابلةٍ مع منصة "المنصة" المستقلة، قال: "لإيران الحق في ضرب القواعد الأمريكية في الخليج، واستهداف هذه القواعد يتوافق مع القانون الدولي، إذ لها الحق في الدفاع عن نفسها".

 

هل قصّرت مصر في دعم دول الخليج؟ ما هو موقف مصر من الحرب على إيران؟ رداً على ذلك، طرحت وسائل الإعلام المصرية أسئلة مضادة: ما الذي تريده دول الخليج من مصر؟ من يسعى إلى جرّ مصر إلى الحرب؟

 

اختلاف الرؤى 


بحسب الموقع، يدرك صناع القرار في مصر أن البلاد ليست طرفًا في الصراع مع إيران، وأن أي تورط للجيش المصري في نشاط عسكري يتعلق بالحرب من شأنه أن يقوض دور القاهرة كوسيط محايد، وقد يعرضها لرد إيراني من شأنه أن يزيد من تفاقم أزمتها الاقتصادية ويعطل الملاحة الدولية عبر قناة السويس.

 

وفقًا للباحث السياسي محمد جمال، فإنه لا يمكن اعتبار موقف مصر بمثابة قطيعة مع دول الخليج بقدر ما يعكس اختلافات في تعريف التهديد، وأولويات الأمن القومي، والاعتبارات الاستراتيجية، وإدارة المخاطر التي تهدف إلى تجنب توسع الحرب.

 

وتنظر دول الخليج إلى إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا يجب تحييده أو احتواؤه، بينما تتعامل القاهرة مع الأزمة من منظور تكلفة التصعيد وتأثيره على الاستقرار الاقتصادي والإقليمي. وهذا يتطلب منها الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، بحسب جمال.

 

وتشعر القاهرة بالقلق إزاء توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة في حال انهيار إيران. وتعتبر الحرب الإسرائيلية الأمريكية جزءًا من خطة لتعزيز أهداف حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت قيادة تل أبيب وبدعم أمريكي. وهذا يشكل تهديدًا للأمن القومي المصري والعربي.

 

ويعتقد المراقبون المصريون أن القواعد الأمريكية في الخليج، إلى جانب اتفاقيات الشراكة الدفاعية التي تربط عواصم الخليج بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا وباكستان، تهدف إلى توفير الحماية للمجال الجوي والأراضي الخليجية، بدلاً من جر مصر إلى حرب لا مصلحة لها فيها.

 

معادلة صعبة


ويذهب التقرير إلى أن القاهرة تحافظ على موقف توازن استراتيجي؛ فبينما هي خارج الحرب، تبقى جزءًا من معادلة معقدة. وهي منخرطة في وساطة مع تركيا وباكستان والسعودية، إدراكًا منها أن هزيمة إيران ستشكل بداية عهد تقوده إسرائيل في المنطقة. 

 

بالإضافة إلى تأثير الحرب الحالية على عدم استقرار الأسواق، وتدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، وانقطاع إمدادات الطاقة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وتراجع التحويلات المالية من نحو 12 مليون مصري يعملون في الخارج، معظمهم في دول الخليج، وفقًا للمحلل السياسي شهاب عز الدين.

 

ويبدو، بحسب عز الدين، أن دول الخليج تسعى لكسب الدعم أو جرّ القاهرة إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية، إذ تُصرّ على الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية بدعم مصري، بدلاً من تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي لحماية أمن وسيادة الدول العربية. وقد شكّلت هذه المظلة الأمنية الأمريكية ركيزة أساسية للعقيدة الأمنية الخليجية لعقود، وقد عرّض التدخل العسكري الأمريكي المنطقة بأسرها للخطر.

 

وبحسب الموقع، ربما توقعت عواصم الخليج، ولا سيما الرياض وأبوظبي، ردًا مصريًا يتناسب مع حجم الموقف، وربما يشمل نشر قوات دعم عسكرية، إلى جانب مواقف سياسية واضحة، ودعم لوجستي واستخباراتي، وتأييد إعلامي وشعبي واسع. إلا أن نهج مصر لم يُلبِّ توقعات الخليج، إذ اختار صناع القرار فيها البقاء، إلى حد ما، على الحياد.

 

نهج حذر 

 

وقال إنه مع دخول الحرب شهرها الثاني وتأثر دول العالم اقتصاديًا باستمرار إغلاق مضيق هرمز، قد يبدو موقف مصر واعتبارات القاهرة المعقدة بشأن الوضع الجيوسياسي الإقليمي والدولي أكثر تبريرًا، لا سيما وأن مسار الحرب وتداعياتها العسكرية المباشرة قد أثرت بشكل مباشر على 17 دولة.

 

وقوبل موقف القاهرة المحسوب بغضب خليجي، رأى في مصر تقصيرًا في تلبية التوقعات. وقال الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم إنهم كانوا يرون في مصر أماً تدافع عن أبنائها، لكنها أثبتت بدلاً من ذلك أنها زوجة أب لا تقدم لهم حتى العزاء.

 

وقد اتسم نهج مصر بالحذر، مع تفضيل لعب دور دبلوماسي نشط دون الانجرار إلى الحرب أو استعداء أي من أطرافها الرئيسية (الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران)، مع السعي في الوقت نفسه إلى بناء إطار أمني عربي في المستقبل وإحياء مقترحات تشكيل قوة عربية مشتركة.

 

وتوقع التقرير أن حكومة السيسي قد تدفع ثمن مواقفها الأخيرة بشأن الحرب وبطء وتيرة انخراطها مع حلفائها الخليجيين. وقد تتكبد خسائر فادحة نتيجة لتدهور محتمل في العلاقات المصرية الخليجية، وانخفاض متوقع في الاستثمارات والودائع السعودية والإماراتية المتدفقة إلى البلاد. مع ذلك، قد تلجأ، بحكمة سياسية، إلى خيارات أخرى لتخفيف حدة التوتر مع الرياض وأبوظبي تحديدًا، واسترضاء الحليفين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد.


https://www.middleeastmonitor.com/20260407-egypt-and-the-gulf-states-sharp-differences-over-the-iran-war/